أحمد زكي صفوت

219

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وبرزت لكم حقيقة حشركم ، فكم تركضون في طلق « 1 » غفلتكم ، وتغفلون عن يوم بعثكم ، وللموت عليكم سيف مسلول ، وحكم عزم غير معلول ، فكيف بكم يوم يؤخذ كلّ بذنبه ، ويخبر بجميع كسبه ، ويفرّق بينه وبين صحبه ، ويعدم نصرة حزبه ، ويشتغل بهمّه وكربه ، عن صديقه وتربه ، وتنشر له رقعة ، وتعيّن له بقعة ؟ فربح عبد نظر وهو في مهل لنفسه ، وترسّل في رضيّ عمل جنة لحلول رمسه « 2 » وكسر صنم شهوته ، ليقرّ في بحبوحة « 3 » قدسه . ومنها : فتنبّه - ويحك - من سنتك ونومك ، وتفكر فيمن هلك من صحبتك وقومك ، هتف بهم من تعلم ، وشبّ عليهم منه حرق « 4 » مظلم ، فخربت بصيحته ربوعهم ، وتفرقت لهوله جموعهم ، وذلّ عزيزهم ، وخسئ رفيعهم ، وصمّ سميعهم ، فخرج كل منهم عن قصره ، ورمى غير موسّد في قبره ، فهم بين سعيد في روضة مقرّب ، وبين شقىّ في حفرة معذّب ، فنستوهب منه عزّ وجلّ عصمة من كلّ خطيئة ، وخصوصيّة تقى من كل نفس جريئة « 5 » » . ( الإحاطة ، في أخبار غرناطة 1 : 154 ) 21 - خطبة القاضي عياض التي ضمنها سور القرآن وخطب القاضي أبو الفضل عياض « 6 » خطبة ضمّنها سور القرآن ، فقال : « الحمد للّه الذي افتتح بالحمد كلامه ، وبيّن في سورة البقرة أحكامه ، ومدّ

--> ( 1 ) يقال : جرى الفرس طلقا أو طلقين : أي شوطا أو شوطين . ( 2 ) الرمس : القبر . ( 3 ) بحبوحة المكان : وسطه . ( 4 ) الحرق : النار ولهبها . ( 5 ) يلاحظ أن في الخطبة خمس كلمات فيها ألف وهي : قاهر . باهر . عاصيه . ففازوا . فنحا ( 6 ) هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض ولد سنة 476 ه ، بسبتة - بلد بمراكش على الساحل الشمالي ودخل الأندلس طالبا العلم ، فأخذ بقرطبة عن جماعة ، وجمع من الحديث كثيرا ، وكان له به كبير عناية ، وكان إمام وقته فيه ، وفي النحو واللغة ، واستقضى ببلده سبتة ، ثم نقل منها إلى قضاء غرناطة ، وتوفى بمراكش سنة 544 ه ، قال المقرى بعد أن أورد هذه الخطبة : « وفي نفسي من نسبتها له شيء ، لأن نفس القاضي في البلاغة أعلى من هذه الخطبة ، واللّه تعالى أعلم » .